السبت، 24 مارس 2012

أمن قومى الحلقة السادسة الدرب الاحمر


أمن قومى 
الحلقة السادسة
الدرب الاحمر
بعدما حضر "أستاذ نهاد" إلى مكتبى أمسك بالأوراق التى إنتهيت من كتابتها ، و فى مطالعة بسيطة قال لى :
- "أستاذ /نبيل" ، بكرة الصبح حتنزل من البيت باللبس الميري ، حتروح على إدارة الشئون المعنوية زى كل يوم تمارس أعمالك الطبيعية ، الساعة إتناشر الضهر حتلاقى إستدعاء لمكتب سيادة اللواء مدير الإدارة ، حتستلم ملف بمهمة تبع الإدارة عندكم ، و فى الملف حتلاقى تعليمات إنك مكلف بتغطية سينمائية خاصة بالجيش التانى الميدانى فى بعض المنشأت الجديدة ، لما توصل البيت بعد الضهر تورى سيادة اللواء والدك المأمورية ديه ، و تجهز شنطة سفر فيها كل إحتياجاتك لمدة 6 شهور ، الساعة خمسة مساءاً حتروح على عنوان مكتوب فى ورقة حتستلمها و إنت فى طريق العودة دلوقت ، لما حتروح العنوان اللى فى الورقة حتلاقى  عربية جيب لونها كحلى و إزازها فيميه حتركبها لمكان حتأخد منه عربية تانية حتجيبك هنا ، و باقى التعليمات حتعرفها و إنت فى العربية اللى حتوصلك عند عربيتك .
-   يعنى أفهم من كده"أستاذ /نهاد" إنى بقيت عضو فى الهيئة من النهاردة .
- رد علىّ و هو يبتسم إبتسامته الطيبة قائلاً لى : "أستاذ نبيل" حضرتك عضو فى الهيئة من يوم مقابلة "النقيب سراج" فى نادى الظباط .
-  حاضر " أستاذ / نهاد " حأكون موجود فى المكان فى الميعاد بالظبط . قلت له ذلك و أنا أبتسم من السعادة بما أصبحت عليه .
خرجت من المكتب و دخلت المصعد بمجرد فتح باب المصعد فى الطابق المخصص لخروجى دون أن أضغط على أى زرار فالمصعد ليست به أية أزرار ، وجدت الشخص الذى أحضرنى يقف أمامى كما لو كان يعلم توقيت خروجى من المصعد فى تلك اللحظة بالضبط ، أشار لى بيده لباب الخروج و هومبتسم قائلاً لى :
- إتفضل "أستاذ / نبيل" .
قالها كما لو كان الأمر طبيعى أن تتحول منادته لى من "الضابط نبيل" إلى "أستاذ / نبيل" ، وجدت من كلمته أن كل شئ فى هذا المكان منظم و مدروس بدقة عالية و هذا ما أكدته لى الأحداث على أرض الواقع فيما بعد .
-        إتفضل " أستاذ . . . ؟ " أقدر اعرف إسم حضرتك ؟
-        "ناصف" ، إسمى "ناصف" . قالها مبتسماً بطريقة لطيفة مهذبة ثم صمت و لم يسترسل فى الحديث بما يعنى أن هذا أكثر ما يمكنه الحديث به معى .
عند وصولنا قرب مكان سيارتى تكلم أخيراً "أستاذ / ناصف" قائلاً لى و هو يمد يده بورقة مطوية بعناية شديدة :
- "أستاذ نبيل" الورقة ديه فيها العنوان اللى حتقابلك عنده السيارة الجيب الكحلى المتفيّمة اللى "أستاذ نهاد" قال لحضرتك عليها فى تمام الساعة خمسة بعد الضهر ، رقمها فى الورقة ، العنوان و الرقم حتحفظهم و الورقة تمضغها بعد ما تحفظ اللى فيها ، الحبر المكتوب فيها مش مضر ، بعد لما تمضغها ما ترميهاش حطها فى جيبك هى حتتحلل ، هناك فى العنوان ده حيقابلك شخص لابس بدلة بيج حيقولك "حمدلله ع السلامة يا أمين" تسلم عليه و تحضنه كأنك ما شوفتوش من زمن و قابلته صدفة حيقف معاك حتروحوا على العربية ، حتيجوا على هنا . قال هذا و تم فتح الباب لى بما يعنى أن أنزل .
بعدما نزلت من السيارة التى أعادتنى إلى سيارتى أخذتها و توجهت للمنزل ، لم أفعل شئ غير الأمور العادية ، عند تناول العشاء تحدثت مع أهلى دون أن يحدث شئ مختلف ، عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل دخلت للنوم بعدما جهزت فى ذهنى ما أحتاجه دون أن أقوم بتحضيره حتى لا ألفت النظر لذلك الأمر إذا دخلت "سعدية" لتنظيف غرفتى .
إستيقظت فى اليوم التالى ومارست حياتى بشكل طبيعى و ذهبت لعملى ، و فى تمام الساعة الثانية عشر ظهراً وجدت إستدعاء لمكتب اللواء مدير الإدارة ذهبت إلى مكتب سيادته لأستلم مأمورية بتغطية لمنشأت سرية خاصة بالجيش الثانى الميدانى ، و غير واضح أين سنذهب لتصوير تلك المنشأت ، لم يكن سيادته فى المكتب فقد إستلمت المأمورية من سيادة العميد نائب سيادته حيث كان سيادته فى مأمورية خارج الإدارة و لا أحد يعرف عنها شئ حيث إنها تقع تحت نطاق كلمة "سري للغاية" ، إستلمت التكليف بالمهمة و أعطيت سيادة العميد التحية العسكرية و عدت لمكتبى لإنهاء بعض الأعمال ، عند قرب موعد الإنصراف قمت بجمع أشيائى الخاصة و لم أترك أى شئ لعلمى إننى لن أعود مرة أخرى لذلك المكان الجميل ، تجّولت عيناي فى المكان تتأمله فستكون أخر مرة أتواجد هنا ، نزلت و أخذت أشيائى و لأنها كانت قليلة لم أحتاج إلا للشنطة العادية الخاصة بى لأحمل بها متعلقاتى الشخصية ، عدت إلى المنزل وبعد تناول الغذاء جلست مع أهلى نتبادل الحديث و أريت أبى التكليف و قال لى :
- المفروض تسلم نفسك النهاردة .
- أيوه ، ده المكتوب فى التكليف لكن مش المفروض كانوا يخلوه من بكرة ؟
- ما فيش المفروض فى الجيش يا حضرة الظابط ، مأمورية مكلف بها عليك تنفيذ التعليمات من غير نقاش ، أفتكر دلوقت عرفت ما كناش عايزينك تدخل كلية عسكرية ليه ؟
-  بالتأكيد يا أفندم كان عندك حق ، ده اللى مكتوب إنى مكلف لفترة قد تتعدى ست شهور ، يعنى . . .
- يعنى ما تقدرش تعرف حترجع إمتى قوم دلوقت جهز نفسك لإنه يدوبك تلحق تلبس و تروح على الإدارة لإنك ما تعرفش حتروح فين بعد كده ، و اعرف إن تحركات الجيش بتكون سرية ، و أى معلومة بتتقال بتكون بحساب حتى لو كانت من جندى بسيط ، و ده جزء من مهمة الشئون المعنوية الحفاظ على السرية ، على كلاً بالتوفيق ، المهم مش عارف ماما حتعمل إيه لما تقوّلها ؟
- أنا معتمد على حضرتك فى الموضوع ده لإن حضرتك بالتأكيد إتعرضت لحاجات كتير زى كده ، و أنا فعلاً حأقوم أحضر شنطة السفر لإنى متعود أسمع كلام حضرتك .
و فعلاً قمت مستأذناً أبى و ذهبت لتحضير شنطة السفر ، كانت الساعة الثالثة و النصف و موعدى فى الخامسة كان يكفينى ربع ساعة للتواجد فى العنوان الذى حفظته و هنا تذكرت الورقة التى مضغتها و ذهبت لأرى ماذا حدث لها ، و فعلاً حينما وضعت يدى فى جيب الجاكيت لأخرجها ، وجدت كما لو كانت هناك بودرة به ، مثلما يحدث عند تحلل المناديل الورقية عندما تنسي فى الملابس و يتم غسلها داخلها ، كان كل ما أراه يجعلنى أتأكد بأن كل شئ يسير فى نظام مدروس بشكل غير بسيط ، و أنه لا يتم ترك شئ لمجريات الإمور ، قمت بتجهيز إحتياجاتى التى ستكفينى لمدة ستة أشهر و أنهيت تحضير حقيبتى و خرجت لأجد أمى تقف مع أبى يتحدثا و هى تنظر لى و تقول :
- خد بالك من نفسك يا "نبيل" ، بابا قال لى إنك حتغيب فى مأمورية ، يمكن قدرى إنى افضل أخدم بلدنا بالتضحية بجوزى و إبنى و إنى أتحرم من القعدة معاهم و رعايتهم . قالت هذا و هى تحتضنى و تغالب دموعها حتى لا تبكى ، و هنا قام والدى بالحديث حتى لا ينقلب الموقف إلى حالة تتغلب فيها العواطف الجياشة على الواجب و قال :
- يا ستى هو رايح الحرب ، إحنا فى حالة سلام و إبنك رايح يصور منشأت عسكرية يعنى الموضوع بسيط .
- يا سلام و إبن خالته اللى راح أنشاص و هو فى الكلية الحربية و ودع أختى و قالها إن نسبة الفاقد فى الأرواح بتكون مرتفعة شوية كان إيه ؟ .
- ده فى الكلية الحربية يعنى تدريبات على أعلى مستوى ، "نبيل" رايح يصور و راجع تانى . كان يقول هذا و هو يعلم إنه لا فارق بين الجندى الذى يحمل مدفع و زميله الذى يحمل الكاميرا ، هنا أخذت زمام الأمور حتى لا تتغلب الدموع على أمى و قلت لها :
- حضرتك معودانا على الإعتماد على الذات من صغرنا و افتكر إن ده اللى خلانا نكون شخصيات متميزة .
- أيوه ، بس إنتم حتفضلوا ولادى حتة منى مهما كنتم شخصيات متميزة ، يعنى مش حأقدر أمنع خوفى عليكم و لا على أبوكم .
قالت هذا و هى تنظر لأبى بطريقة جعلته يبتسم و يشعر معها إنها لا زالت تلك الفتاة التى أحبها و تزوجها عن قصة حب رائعة كانا دائماً يقصوا على مسامعنا مغامراتهم و هما فى فترة الخطوبة ، و كانت قصص لطيفة حقاً جعلتنا نعشق الرومانسية .
إستأذنت للذهاب حتى لا أتأخر ، حيث إننى لن أخذ السيارة فمن غير المعقول ترك السيارة فى مكان غريب لمدة ستة أشهر ، و فعلاً أبلغت اهلى بإننى سأترك السيارة حيث سأتحرك بعربة من عربات القوات المسلحة إلى مكان المهمة ، و قد عرض علّى أبى أن يقوم بتوصيلى إلا إننى شكرته و قلت له إننى سأخذ تاكسى لإننى أفضل السلام عليه من هنا ، و ودعتهم و خرجت فى هدوء .
أخذت تاكسى قرب المكان المفروض أن تتم فيه المقابلة ، و فعلاً وجدت سيارة جيب زجاجها فيميه تحمل الأرقام التى أحفظها تنتظرنى ، نظرت لساعتى وجدتها الخامسة إلا خمس دقائق ، تمشيت شوية و قرب السيارة وجدت من بالسيارة ينده علّى و هو يتّرجل من السيارة قائلاً لي :
-        أمين ؟
-        شفيق ، إنت فين من زمان ؟ . قلتها و أنا أبتسم و أحتضنه كما لو كنا لم نتقابل منذ فترة كبيرة .
-        أنا أهوه ، يا راجل زمن و لا بتتصل و لا نسمع اخبارك إنت فين دلوقت  ، تعالى إركب جنبى إنت رايح فين ؟
بمجرد جلوسى فى السيارة قال و هو يبتسم:
-  "أستاذ / نبيل" حضرتك إبتسم و إتكلم زى ما نكون بنتكلم مع بعض عادى ، كمان تلت دقايق بالظبط حنتحرك ، حنوصل لحد "مساكن شيراتون المطار" ، هناك حأقف بالعربية حتنزل و تسيب شنطتك هنا ، فيه عربية "بيجو سوداء ربعماية و خمسة" رقمها فى الورقة ديه حتكون واقفة بعد ما حأركن بخمس عربيات حتركب العربية و الشنطة حتكون فى المكان اللى حضرتك رايحه قبل ما توصل هناك .
- طيب ، متشكر .
- حضرتك لحد ما نوصل إتكلم فى أى موضوعات زى ما نكون أصدقاء ، و أنا حأرد عليك ، أنا عارف إن حضرتك مثقف جداً و تقدر تتكلم فى مواضيع كتيرة ، و أنا حارد على حضرتك زى ما نكون فى مناقشة لطيفة بين الأصدقاء .
تحركنا بالسيارة و ظلنا نتحدث حتى وصلنا عند المكان الذى سأنزل فيه ، ترجّلت من السيارة ، و بعد خمس سيارات بالضبط وجدت السيارة "البيجو السوداء" تم فتح الباب الخلفى لها و دخلت فيها كان زجاجها متفيم مثل الأخرى ، نوعية فيميه مميز ، ذلك الذى يسمح لمن بالداخل برؤية من بالخارج و لا يسمح بالعكس ، ركبت السيارة و كان بها السائق فقط ، و بمجرد أن أدار المحرك وجدته يمد يده ب"هيد فون" يخرج من "مخدع الكونسول" ، و فيه سمعت صوت الأستاذ / نهاد" يقل لى :
-  "أستاذ / نبيل" ، " الأستاذ / إيهاب " هو اللى حيجيبك على هنا ، المكان حيكون غريب شوية ، لكن مش عايزك تستغرب من حاجة ، اللى شفته كان شئ و اللى حتشوفه هنا شئ تانى خالص ، إستعد يا بطل لإنك حتدخل على مأمورية قوية ، " الأستاذ / إيهاب " حيديلك بعد لما نخلص المكالمة ملف تقراه كويس ، أول لما توصل المكان اللى حتروحه حتدخل مكتبك حتعرفه لوحدك من المدخل ، حتلاقى الطريق للمكتب  زى طريق مكتبك اللى كنت فيه فى الهيئة ، و فيه ملف زى اللى معاك بالظبط و جهاز فيديو و شرايط فيديو ، عايزك تقرا الملف كويس و تراجعه على شرايط الفيديو ، و تقولى إيه رأيك فى الموضوع ده و ممكن نعمل إيه ، و ديه أول مأمورية حتتكلف بيها ، على فكرة شنطتك فى الطريق ، حتكون فى غرفة الإستراحة الملحقة بمكتبك ، و دلوقت أسيبك و حأشوفك الساعة حداشر بالليل ، أنا عارف إنك بتنام الساعة واحدة يعنى حأقعد معاك ساعة واحدة بس ، نراجع فيها رؤيتك المبدئية لتنفيذ المهمة الأولى ، الملف حيفضل معاك و ما تسيبهوش من إيدك لحظة واحدة لحد ما توصل حتديه لل"أستاذ / إيهاب" ، سلام مؤقت "أستاذ / نبيل" .
بمجرد إنتهاء كلام " الأستاذ / نهاد " و خلعى السماعات وجدت "الأستاذ / إيهاب" يمد يده بملف بلاستيك أحمر لا يظهر منه أية معالم تشير لما بداخله ، و عندما فتحته وجدت مكتوب عليه "الدرب الاحمر" ، و بدأت أقرأ ما بالملف دون أن أظُهر أي إنطباع عما يدور فى ذهنى من أفكار ، و الملف كان به تحريات مكثفة حول "حداد" بمنطقة "الدرب الاحمر" ، و قد أفادت كل التحريات من مختلف الجهات الأمنية إنه مرتبط بشكل مباشر بالعمليات الإرهابية الأخيرة ، و كانت "الهيئة" ترغب فى القضاء على الإرهاب من جذوره و تدميره تماماً ، ليس مجرد فقط القبض على ذلك "الحداد" ، كنت منشغل بشدة فى القراءة فلم أشعر إلا و "الأستاذ / إيهاب" يفتح السنترلوك الخاص بالسيارة و يقل لى :
- حمدلله ع السلامة "أستاذ / نبيل " وصلنا ، إتفضل .
شكرته و غادرت السيارة و أعدت الملف له و دخلت المبنى ، و فعلاً وجدته نسخة من مبنى الهيئة الذى كنت به المرة السابقة ، و إتجهت إلى مكان مكتبى الذى حفظت طريقه ، و هنا تسألت بينى و بين نفسى هل يتأكدوا من قدراتى على التذّكر ، على أية حال هذه نقطة فى صالحى لإن قدرتى على التّذكر كانت مضرب الأمثال بين كل معارفى على مدى سنوات طويلة . دخلت المكتب و لولا أن "الأستاذ / نهاد" أبلغنى إننى فى مكان أخر لظننت إنه نفس المكان الأول خصوصاً لإنشغالى بالقراءة عن متابعة الطريق ، بمجرد دخولى رأيت ملف مثل الذى كان معى فى السيارة ، كما لو كان هو بالضبط ، بدأت أقّلب صفحاته و قمت بتشغيل جهاز الفيديو و بدأت المشاهدة و أنا أقرأ المكتوب ، كان كل ما فى الفيديو عبارة عن متابعة دقيقة لشخص يعيش فى الدرب الأحمر يعمل "حداد" و لديه ورشة حدادة و كانت التحريات تؤكد ضلوعه فى النشاط الإرهابى الذى يكاد يلتهم "مصر" ، و كان علّى إيجاد طريقة للوصول إلى ذلك الشخص بحيث يقوم بدوره بتوصيلنا إلى رؤؤس الإرهاب الكبرى و كانت هناك مشاهد فى الفيديو عن علاقاته المتعددة ، و هنا كانت الغرابة ، فمن المعروف الفكر الذى ينتمى له الإرهابيين ، و لكن هذا " الحداد " غيرهم تماماً ، فهو يشرب الخمر و يصاحب الساقطات ، و لم يراه أحد فى أى وقت يفعل شئ طيب بل كان كل جيرانه يتحاشون التعامل معه إتقاءاً لشره ، كنت أكتب بعض الملاحظات فى أوراق كانت على المكتب ، و كنت أفكر فى أمر أخر هو ، من قام بتصوير تلك الشرائط ؟ ، فهو بالتأكيد شخص على دراية عالية بتصوير الفيديو و يعرف كيف يتعامل مع الكاميرا بحرفية عالية بحيث تظهر كل التفاصيل كما نقول باللغة السينمائية "إن فوكاس" ، و الأهم إنه بالتأكيد شخص من أهل الحى و بالتأكيد الكاميرا التى يقوم بالتصوير بها من نوع خاص بحيث تكون مخفية و لا تظهر للعين المجردة ، توقفت عن التفكير فى تلك النقطة لإنها لا تعنينى ، و كان على وضع خطة للوصول للمطلوب منى و فعلاً بدأت أضع الخطة ، و كانت خطة محكمة و بمجرد إنهائى وضع خطتى نظرت إلى الساعة لأجدها الحادية عشر إلا خمس دقائق ، بدأت استعد لمقابلة " الأستاذ / نهاد " لأقدم له خطتى ، و أضع أمامه كافة الأسئلة التى تدور فى ذهنى  ، و لم أكن أتصور أن الأيام القادمة ستحمل لى الكثير و إننى سأبذل جهد غير عادى فى تلك المهمة الأولى ، فقد كان تصورى إن كل مهمتى ستكون أن أجلس بملابسى الشيك و عطرى الطيب فى المكتب المكيّف أضع الخطط و أتابع سلامة التنفيذ ، و لم أكن أتصور أن أكون أنا "العميل السرى" فى تلك المهمة .
فإلى اللقاء فى الحلقة السابعة
"العميل السرى"
محمد أحمد خضر
+2 0122 3128543




الثلاثاء، 28 فبراير 2012

أمن قومى الحلقة الخامسة بيانات العميل


أمن قومى
الحلقة الخامسة
أمن قومى
الحلقة الخامسة
بيانات العميل

وصلنا إلى مكان هادئ لتهبط بنا السيارة فى جراج تحت الأرض و بعد نزولنا من السيارة ركبنا مصعد ، كان المفروض حسب الطبيعى أن يصعد بنا المصعد لأعلى ، و لكننى شعرت به يهبط لأسفل ، مما يعنى إننا ننزل تحت الأرض ، خرجنا من المصعد كنت أعبر أمام جهاز يكشف كل ما أحمله ، بمجرد عبورى الحاجز الأمنى نظرت خلفى فلم أجد الشخص الذى كان معى ، إلتفت أمامى فوجدت شخص طيب الملامح ينظر لى و هو يبتسم إبتسامة هادئة يقل لى فى صوت مهذب :
-        حمدلله ع السلامة يا "أستاذ نبيل" .
-        الله يسلمك يا أفندم . قلتها و أنا أنظر له فى هدوء .
-        إتفضل معايا على المكتب .
تتبعت خطواته فى هدوء دون أى حديث منى ، و برغم عدم وجود أى شخص فى الممرات التى نسير فيها إلا إننى شعرت أن هناك من يتتبعنى ، كانت هناك كاميرات خفية موزعة فى كل الممرات ، بحيث لا يتم إلتقاء شخصان لا داعى لإلتقاءهما معاً ، حفاظاً على السرية ، و هذا ما علمته بعدها بعدة سنوات حيث كانت إحدى المأموريات التى كلفت بها قيامى بإحضار كاميرات على أعلى درجة من الجودة مع مجموعة من المهندسين الأكفاء فى سلاح المهندسين و المتخصصين فى التكنولوجيا فائقة التقنيات ، و متابعة تركيب تلك الكاميرات معهم فيما بعد .
توجهت مع الشخص المبتسم إلى مكتبه و هناك قدم لى بعض الشاى الأخضر ، فنظرت له مبتسماً فقد كانت إشارة لطيفة يخبرنى بها أن كل المعلومات الخاصة بى لديهم ، فلم يكن "الشاى الأخضر" مشروب منتشر فى ذلك الوقت و القليل من كان يستمتع بشربه و كنت أنا أحدهم ، و بعدها جلس أمامى و لم يجلس على كرسي المكتب بدأ فى الحديث معى قائلاً بهدوء و الإبتسامة لم تفارقه :
-        أنا إسمى "نهاد" ، تعرف إنت فين يا "أستاذ نبيل"؟
-        بيتهيالى يا افندم . احنا تحت الأرض بمسافة كبيرة ، فى جهة أمنية تابعة للجيش ، لا يتم فيها التعامل بالرتب العسكرية .
-        بالظبط ، تحليلك مظبوط ، لكن تفتكر إيه هى الجهة ديه ؟
-        حنستبعد المخابرات العسكرية لإنه بيتم التعامل فيها بالرتب الرسمية ، يبقى ممكن نكون فى المخابرات العامة .
-        تحليلك مظبوط ، يمكن ما قدرتش تحدد المكان بالظبط لإن المكان اللى إحنا فيه غير معروف بشكل عام ، و أغلب الناس بتقول عنه "المخابرات العامة" و ده شئ كويس للحفاظ على السرية ، إحنا فى "هيئة الأمن القومى" يا "أستاذ نبيل" ، و هى جهة تابعة ل"جهازالمخابرات العامة" ، لكنها لها صلاحيات مختلفة عنه ، "جهازالمخابرات العامة" مهمته تأمين "مصر" فى الخارج ، "هيئة الأمن القومى" مهمتها تأمين "مصر" داخلياً عشان كده حتلاقى تعاون كبير بينا و بين "وزارة الداخلية" و حتلاقى ظباط من البوليس معانا هنا ، و بالنسبة لتواجدنا الحالى فعلاً إحنا تحت الأرض بمسافة ، و إحنا هنا مابنتعاملش بالرتب العسكرية بنتعامل بلقب "أستاذ" ، لا فرق بين "جندى" و بين "سيادة اللواء" لإننا كلنا فى خدمة "مصر" ، بالنسبة لوجودك هنا ، فده لأنه تم ترشيحك من سيادة اللواء "مدير إدارة الشئون المعنوية" فى إجتماع على أعلى مستوى لقيادات "الجيش" و "وزارة الحربية" و بعد تحريات مكثفة عنك تمت الموافقة علي إسمك ، و عملنا مجموعة إختبارات عليك لنتأكد من إنك حتوافق على الإشتراك فى عملنا و ألا مش فاكر مقابلة "النقيب سراج" .
و هنا عادت بى الذاكرة لمقابلتى صديقى و زميلى "النقيب سراج" منذ عدة أسابيع فى "نادى الضباط" فى "مصر الجديدة" و الحديث الذى دار بيننا ، و كيف دار الحوار بيننا عن الأحداث الموسفة فى بلدنا من حوادث إرهابية تدمر بلدنا و تكاد تنهى على أى فكر فى وطنا الحبيب "مصر" ، و سؤاله لى كيف لو عرض علىّ عمل شئ لوقف العمليات الإرهابية هل أوافق ؟ ، حتى لو إضطررت لنسيان عملى السينيمائى و البقاء طوال حياتى فى الجيش ؟ و كانت إجابتى له بالموافقة و قلت له إننى من أجل "مصر" أعمل أي شئ ، و قد كرر السؤال بشكل غريب و كنت كل مرة يكرر السؤال أجيب بنفس الإجابة .
هنا قال لى "الأستاذ / نهاد" و هو ينظر لى مبتسماً :
-        إفتكرت بالتأكيد مقابلة "النقيب سراج" فى نادى الظباط" يوم الخميس 9 نوفمبر1995 ؟
-        أيوه "أستاذ نهاد" .
-        "النقيب سراج" ما يعرفش حاجة عن وجودك هنا ، الموضوعات بتاعت شغلنا بتم فى نطاق من السرية العالية جداً ، "سراج" كل اللى يعرفه إنك بتحب السينما و مستنى اليوم اللى ترجعلها لكن الموضوع اللى إتقاله لو تم وضعك فى خيارات بين رجوعك السينما و البقاء فى خدمة البلد عايزين نعرف يكون رده إيه ، و هو اللى إقترح إنه يسئلك عن الموضوع بالشكل ده ، المهم إنت دلوقت لك مطلق الحرية لو مش عايز تكمل معانا ، تقدر تخرج من هنا و ماعليكش أى حرج ، لكن لو قررت تكمل معانا إعرف إننا لا نحمل اى إمتيازات غير شرف خدمة بلدنا ، و ده شرف مش قليل ، بس للى يقدّر ، فلو قلت إنك حتشتغل معانا حأقولك إحنا بنعمل إيه بالظبط ، و لو حبيت تاخد وقت تفكر ، خد وقتك ، و حأنتظر ردك ، و لو موافق حنبدأ الشغل على طول .
-        بالتأكيد انا موافق يا "أستاذ نهاد" ، و أنا تحت أمر "بلدى" على طول ، و يا ريت نبدا الشغل حالاً .
-        طيب ، أول حاجة فى الشغل هى بياناتك ، بمعنى حتقعد فى المكتب ده اللى هو من ساعة ما دخلنا و هو مكتبك و أفتكر خدت بالك إنى ما قعدتش على كرسى المكتب و قعدت قدامك علشان المكتب مكتبك يا "أستاذ نبيل" ، و دلوقتى المطلوب منك تكتب قصة حياتك من يوم ما إتولدت لحد النهاردة ، عندك هنا فى الإدراج أوراق و اقلام ، ترموس شاى أخضر، ترموس شاى برجموت ، ترموس قهوة عربى و تمر من النوع اللى بتفضله و ميه متلجة فى المينى بار و فيه كل المشروبات اللى بتحبها ، و فى الغرفة الملحقة بالمكتب حتلاقى حمام و كنبة مريحة ، و الراديو مظبوط على محطة الإذاعة الأوروبية اللى بتحبها ، كل المطلوب منك تقعد الساعتين دول تكتب قصة حياتك من أول ما إتولدت لحد النهاردة ، إحنا عندنا كل حاجة عنك ، لكن بالتأكيد من الأفضل سماعها من بطلها اللى عاشها خصوصاً إنه حيقدم لنا معلومات أكتر ، خد وقتك "أستاذ نبيل" ، المهم ما تنساش حاجة ، العربية حتاخدك من هنا الساعة تسعة و نص يعنى قدامك ساعتين و نص ، الدقة فى المواعيد هى أهم سمات شغلنا و إحنا عارفين إنك دقيق فى مواعيدك ، حأسيبك دلوقت خد راحتك فى الكتابة و اكتب كل حاجة ، و لما تخلص حتضغط الرقم تسعة فى التليفون ده حأرد عليك ، قال هذا و هو يشير على تليفون موضوع على المكتب .
-         سلام مؤقت "أستاذ نبيل" .
-        مع السلامة "أستاذ نهاد" .
بمجرد خروج "أستاذ نهاد" من غرفة المكتب جلست أكتب ما طٌلب منى كتابته على الفور ، لإننى قد إعتدت عند الخروج أن أخذ وقتى فى الإستعداد بحيث إننى إذا إضطرتنى الظروف للبقاء فترة طويلة خارج المنزل لا أكون متعب من الملابس أو الحذاء أو غيره ، أو أحتاج للحمام أو لتناول مشروبات .
بدأت أكتب قصة حياتى و تذكرت أشياء كنت أظننى نسيتها فبدأت بالكتابة عن اللحظات الأولى لولادتى ، تلك المعلومات التى كانت حديث دائم بين أمى و أبى و جدتى أم أمى و كانوا يتذكروا تلك الأيام التى مرت عليهم ، أيام صعبة و أيام جميلة مرت بها بلادنا.
ولدت فى 23 أكتوبر 1970 بعد أيام قليلة من وفاة "الرئيس الراحل جمال عبد الناصر" و كانت أمى دائماً تقول لى إنها كانت تتمنى أن أحضر و لو يوم واحد فى عهد "الريس" ، كانت تقول لى إن الشعب كله كان بيحبه ، و قرب بلوغى عامى الثالث وقعت أعظم حروب التاريخ الحديث "حرب أكتوبر المجيدة" تحكى لى جدتى أم أبى ، كيف إن والدى عاد بعد حرب 67 وبذلته العسكرية نظيفة و هو فى حالة يرثى لها بسبب الهزيمة جلس صامتاً مهموماً يرفض الحديث مع أى أحد و يرفض تناول الطعام ، و كيف حضرت سيارة من الجيش بعد إسبوع من عودته أخذته عدة أيام و لا يعلم أحد حتى اليوم أين ذهبوا به ، و لكنه عاد و قد بدأ يستعيد طبيعته قبل الحرب . و تحكى لى أيضاً كيف عاد بعد أكتوبر و بذلته العسكرية مليئة بالدماء و هو سعيد بالإنتصار ، و نحن هنا نتحدث عن ملابس الميدان لا بدلة التشريفة المهندمة التى نراها ، و تحكى لى كيف قام البطل "الرئيس السادات" بالأخذ على عاتقه مهمة الحرب و تحرير الأرض ، ثم كيف كان خطابه القوى فى مجلس الشعب ليقول فى قوة إنه على أتم إستعداد ليذهب إلى أبعد مدى ليذهب إلى الكنيست نفسه من أجل السلام ، و أذكر نزول الطائرة المصرية فى مطار "بن جوريون" و كيف تم توزيع القناصة الإسرائيلين فى كل أرجاء المطار خوفاً من أن ينزل مع الرئيس السادات مجموعة من الصاعقة المصرية يقوموا بإغتيال القادة الإسرائليين ، كانت مصر قد سببت رعب ل"إسرائيل" ، و كيف كانت المناورات بين الثعلب الذكى "الرئيس السادات" و بين دهاة الساسة الإسرائيلين"مناحم بيجين" و ساسة "الولايات المتحدة" ، و ما بين هذا و ذاك كان حادث إغتيال الشهيد "يوسف السباعى" الذى هز والدى بشدة لإنه كان يعرفه عن قرب حيث تقابل معه عده مرات ، و تذكر أمى لى حالة والدى حينما قام بتجهيز قوات من الصاعقة للذهاب إلى مطار "لارنكا القبرصى" للثأر لذلك الحادث ، حيث صدرت له الأوامر لتجهيز أشد رجال الصاعقة للذهاب لرد الضربة ، و كان عليه تنفيذ التعليمات مهما كان عدم رضاه عنها ، كانت حياتى عبارة عن وصف لتاريخ مصر الحديث ، و هنا علمت لماذا طلب منى أبى و أمى عدم الإلتحاق بكلية عسكرية حتى لا أتعذب مثلما تعذب هو ، و لكن يبدو إن قدرنا هو خدمة وطننا "مصر" و هو كما قال "الأستاذ نهاد" شرف كبير ، و هو بحق أكبر شرف ، و حادث إغتيال البطل الشهيد الرئيس"أنور السادات" ، و الذى لا زلت اذكر حين كنا نشاهد التلفزيون و كيف إنتهى بث العرض العسكرى بصورة غريبة و كيف كان حال البلد فى وجوم شديد و كانت الأجواء متوترة أذكر حتى اليوم مشهد الجنازة العسكرية للشهيد البطل ، و كيف كان لقائى اثناء الدراسة بالمعهد مع أحد الذين تولوا المناقشة مع قتلة الشهيد و هو "الدكتور محمد عمارة" المفكر الإسلامى و الذين كانوا لن يرتضوا غيره و قال لهم إن فتاوى"شيخ الإسلام إبن تيمية" لا تجوز على حكام هذا العصر من المصريين و كان المقصود بها التتر الغزاة ، ثم تناولت إنتقالى للدراسة فى الإعدادي و الثانوي ، و علاقاتى مع أصدقائى ثم قدمت بعض لمحات عن علاقاتى مع الصديقات فى النادى و المدرسة والمعهد و بعض العلاقات الخارجية العابرة كأن يأتى صديق فيطلب منى أن أخرج معه لإن صديقته ستحضر صديقة ، و هكذا كانت مراحل حياتى تتسم بالإحترام مع الأصدقاء ، حتى حينما حاولت صديقة أن تجرنى إلى علاقة غرامية وضحت لها إننى متفرغ للدراسة و تمارين النادى و الأجازة الصيفية تكون لممارسة عملية فى الخارج لللغة الأجنبية التى أدرسها فى فترة الدراسة ، هكذا مرت حياتى . بالطبع كانت هناك مغامرات لطيفة ، مثل إقتحام "قصر البارون إمبان" فى مصر الجديدة بجوار منزلنا و بعض المناوشات بينى و بين الأصدقاء و الصديقات و لكنها لم تتعد مرحلة الإحترام المتبادل كما لو كنت أعد نفسى لمكانة مميزة .
و قدمت حياتى فى "معهد السينما" كيف تعددت الصداقات و تعرفت على الكثير من أبناء الفنانين و الفنانات ، و المشاريع التى توليتها ، و قصة سفرى الوادى الجديد و كيف كانت تلك الرحلة من أجمل رحلات الدراسة و ما الذى رأيته هناك ، أنهيت كتابة قصة حياتى فى أقل من الوقت المطلوب ، مٌقدماً كل شئ دون أن أهمل أية تفصايل .
بمجرد إنتهائى رفعت سماعة التليفون و ضغطت على الرقم "تسعة" وجدت صوت "الأستاذ نهاد" يقل لى :
-        خلصت يا "أستاذ نبيل"
-        خلصت يا أفندم .
حضر لى و هو يبتسم ببشاشة و هو ما رأيته طوال خدمتى معه بشاشة لا تفارقه ، بحيث تجد أصعب المهام تتحول إلى أسهلها ببشاشة هذه الشخصية الجميلة ، و التى كان لها أكبر أثر فى إنتقالى من "هيئة الأمن القومى" إلى "جهاز المخابرات العامة" أما كيف كان هذا ؟
فهذا ما سنعرفه فى الحلقة القادمة .
                                  "الدرب الأحمر" .

محمد أحمد خضر

+2 0122 3128543






الأحد، 12 فبراير 2012

ألوان السما السبعة


ألوان السما السبعة
لقد سما الجسد الترابى
من العشق حتى الأفلاك
و  حتى الجبل
بدأ فى الرقص وخف
بن الرومى

كانت هذه الكلمات الجميلة هى التى بدأت مع الأفان تتر"تتر المقدمة" مع ظهور مشاهد للرقص الصوفى و الذى يعرف حالياً برقصة التنورة ، على صوت موسيقى تحملنا إلى أفاق حالمة  تصل بنا لأبعد مدى . و تلك الكلمات الطيبة هى للشاعر الصوفى و مؤسس المولوية "مولانا / جلال الدين بن الرومى" و مولانا هو لقب مثل البك  و الباشا  . و المولوية هى جماعة صوفية و لها بيت فى القاهرة هو "بيت المولوية" و هو ما تم به تصوير العروض الراقصة الموجودة  فى الفيلم ، و هم ينادون بالحب و العشق فى الله و توحد الجسد مع الروح لتصل إلى الحبيب الأعلى ، و ذلك من خلال الرقص ، و هناك اقوال كثيرة للشاعرالصوفى "بن الرومى" نذكر منها "هناك طرق عديدة للوصول إلى الله و قد إخترت منها طريق الرقص و الموسيقى" ، و نحن هنا لسنا بصدد الحديث عن "المولوية" و "بن الرومى" بل حديثنا سيكون حول فيلم "ألوان السما السبعة" و الذى بدأ بالأبيات الشعرية التى بدأنا بها حديثنا معاً  .

قدمت الفيلم من قبل يوم 7 أكتوبر 2010 لكننى رغبت فى إعادة تقديمه لأننى أشعر فيه بنوع من الرؤي الإنسانية
ألوان السما السبعة
إخراج سعد هنداوى - 2007
بدأ تتر المقدمة بمشاهد شبه رسوم متحركة ، لراقص من راقصى المولوية ، بالملابس الأصلية لراقصى المولوية ، و ليست ملابس التنورة المزركشة بألوانها المبهجة ، و هى ألوان قوس قزح و التى سنفهم إلى ماذا ترمز أثناء تجولنا فى الفيلم ، مع خلفية موسيقى تسمو بالروح و الجسد كما يفعل الراقص المولوى ، ثم نرى مع بداية الفيلم مشاهد الإزدحام فى شارع الأزهر بالقاهرة وقت إقتراب موعد الإفطار فى شهر رمضان .
نشاهد سيدة جميلة "حنان" (ليلى علوى) تترك سيارتها ليركنها لها المنادى و تنزل لتذهب على قدميها إلى أحد المطاعم تتناول الطعام مع صديقتان ، و بعد الإفطار تذهب بهم إلى عرض التنورة ، و تحدث قصة حب تربط بينها و بين "بكر"(فاروق الفيشاوى) راقص التنورة ، و تتداخل الأحداث تعرض لنا خلفية كلاً منهما و أبعاد الشخصيات ، المادية و الإجتماعية و النفسية لكلاً منهما ، و يعرض لنا شخصيات تشترك معهما فى الأحداث مؤثرة فى السياق الدرامى للفيلم ، و الفيلم به رؤية فلسفية عميقة ، سنتجول مع شخصياته من خلال الأحداث ، ونتناول بالتحليل الشخصيات ، ثم نتناول معاً الرؤية الفلسفية ثم نتحدث عن التكنيك السينمائى فى ذلك الفيلم  .

أولاً : القصة  :
كما ذكرنا بدأ الفيلم ب"حنان " تتجه إلى "الحسين" لتناول وجبة الإفطار فى رمضان فى أحد مطاعم الحى العتيق ثم تتوجه مع صديقتان لها إلى حيث"بيت المولوية" حيث راقص التنورة"بكر" و نراها فيما بعد تذهب يومياً لمشاهدة الرقص ، حيث ينبه إبن "بكر" أبيه لذلك الأمر ، و يظن "بكر" أنها معجبة به ،ويرغب فى الدخول فى مغامرة معها ، و سرعان ما تتحول المغامرة إلى عشق وحب بينهما ، و حين يسألها ماذا تعمل تخبره بوضوح إنها (عاهرة) وهنا نجده يرفضها ، على الجانب الأخر نجد علاقة "حنان" بأسرتها ، فقد فقدت الأب و كانت ترغب فى إمتلاك "فانوس" فى "شهر رمضان" ، و لمن يرى الأمر بسيط أقول إن الأمر جد خطير أن تغتال بهجة طفل فى أوقات الفرحة ، فقد كانت ترى الأطفال يحملوا الفوانيس و هى لا تحمل فانوس مثلهم ، و نرى كيف تعطى أمها المال ، و كيف تعودت زوجة أخاها أن تأخذ منها الملابس فى إشارة إلى عطاءها الكامل و نرى رغبتها فى الهجرة لأى بلد فى الخارج لتبدأ حياة جديدة ، بعيدة كل البعد عن ماضيها ، و نرى الشخص الذى يقابلها فى كل سفارة تتجه لها ، هذا الذى يحمل الأمل دائماً برغم أنه تم الإستغناء عنه من الشركة التى كان يعمل بها ، و أراه رمز كبصيص نور و مصدر أمل فى الحياة ، ثم علاقتها بالشخص الذى يتكفل بكل مصاريفها و هو رجل أعمال مسافر دائماً و حين يحضر لمصر فهو يرغب فيها ليقضى معها ليالى العشق بالقاهرة ، و هى تتهرب منه و حين تقابله و يجلسا معاً ، تسأله هل تتزوجنى فيكون رده ضحكات ساخرة ، و تهرب منه ولا تقضى معه الليلة التى يرغب فيها ، و يتصل بها فى نوع من الإستعطاف يقول لها يا ريت تيجى تأخذى هديتك لتكون أخر مرة نتقابل فيها ، و تذهب له و يفتح لها فى منتهى الأدب ، ثم يجعلها تراه فى أحضان عاهرة أخرى ، ليثبت لها إنه كما إشتراها يستطيع شراء الكثيرات غيرها ، و فى اللحظة التى تستلم فيها خطاب الهجرة نجد "بكر" يوافق على الزواج منها ، و هنا نراها تقع فى حيرة بين رغبتها فى الهجرة و بدء حياة جديدة فى مكان جديد لا يعرفها فيه أحد ، و بين رغبتها فى الإرتباط بإنسان أحبته حقاً و أحبها و نسى كل ماضيها ، و وافق أن يبدءا معاً حياة جديدة ، فهو يرغب فى حبها و ليس فيها فقط كأنثى ، فهو يريدها زوجة ، فأى شئ تختاره "حنان" ؟ ، سنرى ذلك معاً فى النهاية .

ثم نعرض للشخصية الثانية فى الفيلم "بكر" ، راقص التنورة ، و هى شخصية برغم بساطتها الظاهرية مركبة أكثر من "حنان نراه فى رقصه الذى إحترفه بشكل برع فيه بشدة ، و حين يتقابل مع "حنان" يقص عليها قصة عشقه لذلك الأمر ، حيث كان يذهب مع أبيه إلى المسجد فى صلاة الجمعة فكره الذهاب للمسجد حيث كان الإمام يذكر دائماً النار فشعر بأنه سيذهب للنار و خاف من الذهاب للمسجد ، وكان يرى أبيه فى وقت المولد يرتدى أشيك الثياب و يذهب لحلقات الذكر فى المولد ، و حين إقترب منه فى إحدى المرات أمسك أبوه يده بقوة و هو فى عالم أخر ليس على الأرض ، وهذا كان وصف "بكر" لذلك الأمر، و قد أحب "بكر" ذلك الموضوع و ساعده عم "إمبابى"(حسن مصطفى) ، الذى أدخله إلى عالم رقصة التنورة ، ثم نراه حين يذهب لأحد المطاعم الشيك مع"حنان" يتشاجر مع شخص لأنه كان ينظر لها ، وحين تعترف له "حنان" بأنها عاهرة يرفض البقاء معها ، حتى يكتشف إنه "عاهر" أكثر منها ، فهى قد دفعتها الظروف لذلك الأمر ، أما هو فقد باع جسده لقاء بعض الحلى الذهبية من إمراة عجوز ، و إن كنت غير مقتنع بإختيار تلك الفنانة فى ذلك الدور فطريقة أداءها أشعرتنى بالتعاطف معها ، و كان يجب على المخرج إختيار شخصية تجعلنى لا أتعاطف معها ، و يكون أداءها أكثر حدة من الأداء الهادئ لتلك الفنانة ، و التى جعلتنى أتعاطف معها ، بل جعلتنى أبحث لها عن أسباب لما تفعله ، ثم نرى علاقته مع زوجته (سوسن بدر) ، و التى إنفصل عنها لمجرد شكه فى تصرفاتها دون وجود دليل ، و علاقته مع عم " إمبابى"(حسن مصطفى) الذى أذاه بشدة حين قال له إنى أنفذ رغباتى و لا أفعل ذلك مع الأحلام (مثلك) ، لنرى بعد ذلك عم "إمبابى"يقف على المسرح و يتوجه بالرقص الصوفى ، و يتحرك حركة دائرية بسيطة فهو لثقل وزنه و عشقه للأكل لا يستطيع الرقص - و هذا رمز لإرتباطه بالأرض و عدم قدرته على السمو حسب الرؤى الصوفية- .
ثم علاقة "بكر" مع إبنه "سعد"(شريف رمزى) ، و الذى يرغب بشدة فى أن يرقص بالتنورة ، و يرفض أبوه ذلك تماماً ، و نرى علاقة الشاب بأمه (سوسن بدر) ، و علاقته بالفتاة صديقته التى لا ترغب سوى فى إمتلاك الذهب ، و حين يراها تقبل شاب أخر تحت السلم و القبل كانت بدء الطريق لإلتحام الأجساد فى المنور، يثور عليها و يضرب الشاب الذى معها و لغباء"سعد" يدير له ظهره و بعد أن كان هو المنتصر إنهزم حيث ضربه لينصرف الشاب بعد أن يلمس جسدها بمعنى لنا لقاء أخر نتمم فيه ما بدأناه ، نراها تقترب من "سعد" ترغب فيه فقد أصبح جسدها تملأه رغبات ترغب فى إطفاءها ، فالأمر بالنسبة لها ليس سوى "كائن حى" تفرغ معه رغباتها ، و نرى صاحب الفرن(أحمد راتب) الذى يظن "سعد" أنه على علاقة بأمه يأتى ليتزوجها فهم يرغبوا فى الحلال ، و الأم غير الفتاة ، فالأم تفعل ما تفعله من نفسية ترغب فى الشعور بأنها ما زالت مرغوبة من الرجال دون فعل ما يشين ، أما الفتاة فتفعل ما تفعله من شبقية لا تنتهى .
الرؤى الفلسفية الخاصة بالفيلم : 
الفيلم ذو رؤية فلسفية عالية و لم يحقق النجاح التجارى الذى يستحقه ، و لكنه على المستوى الفنى فيلم متميز ، و سنتحدث عن الرؤى الفلسفية الخاصة بالفيلم من خلال منظور خاص جداً .
أولاً : كانت هناك تلك الأشعار التى بدأ بها الفيلم و هى تعبر عن التوجه الصوفى إلى الله ، و مهما فعلت فهو سيقبلك ، بمجرد إتجاهك إليه  .
و كذلك نرى فيه قبولك لل"أخر"أى الشخص الذى لا يكون مثلك فأنت لا تعلم ظروفه و اسبابه التى دفعته لهذا ، و لعله إختار "العاهرة" التى يطلق عليها "أقدم مهنة فى التاريخ" لأنها مدانة دائماً . و لا يقبلها احد
ثم كانت الكلمات الطيبة ل"حنان" و التى قالت فيها فى نهاية قوس قزح بيكون الكنز ، و كما نعرف كلنا أنه فى القصص  الأوروبية فى نهاية كل قوس قزح هناك جرة الذهب ، أما قوس قزح فهو التنورة ، التى يحاول بها الشخص السمو بروحه فوق رغباته ، ليحصل على الكنز ، و من الغريب حقاً أن كل من فى الفيلم حصل على الكنز "أمنيته" ، كما لو كانت هناك "عصا سحرية" تحقق لهم أمانيهم .
فنجد "بكر" عاد ل"حنان"  .
و "حنان" هاجرت ليس إلى الخارج و لكن إلى نفسها الحقيقية طفلة لطيفة و سترتبط ب"بكر" ، و تركت ماضيها خلفها .
 "أم سعد" تزوجت لتستقر بحياتها أخيراً .
"سعد" رقص التنورة التى يرغب فيها ، ثم نرى الملاك الحارس"عم إمبابى" يقوم بتعليم "سعد" الرقص بالتنورة فهى حياته التى يقضى فيها جل وقته ، و هو يرغب فى تلقينها للشباب و كما فعل مع "بكر" فهو يفعل مع "سعد"
التكنيك السينمائى للفيلم :
أفلام المخرج "سعد هنداوى" لها سحر خاص ، فهو لا يترك تفصيلة واحدة تمر دون توضيحها ، فهو يبدا ب"أفان تتر" غامض يخلب اللب فيجعلك تشعر بأنك ستطير بالفيلم ، ثم يأخذك لأرض الواقع فى زحام القاهرة قرب إنطلاق مدفع الإفطار فى منطقة "الحسين" فى حى"الأزهر" ، ثم يطير بك إلى ملكوت رقصة التنورة ، ليجعلنا نكتشف شخصيات الفيلم كلها كل ذلك فى أداء متناغم بين الصوت و الصورة و إستخدام المونتاج برقة عالية و إيقاع لا تشعر معه إلا بما يريد أن يصل بك إليه ، و من خلال سيناريو محكم لم يترك تفصيلة واحدة دون تغطيتها ، و كان يتجول بنا فى لوحات تشكيلية رائعة فهو بصحبة مدير فنى مميز وهو الفنان"صلاح مرعى" ، و كان تتر الفنان "عطية أمين" من أروع ما قدم ، فتحية إلى كل صناع تلك القطعة الفنية الرائعة ، فما بين تتر"عطية أمين" وسيناريو"زينب عزيز" وموسيقى"تامر كروان" و تصوير"د. رمسيس مرزوق " و مونتاج "رباب عبد اللطيف" كل هذا التناغم من خلال رؤية مدير فنى متميز هو الفنان الكبير "صلاح مرعى" ، بقيادة المايسترو"سعدهنداوى" .
و لكن أروع شئ كان فى الفيلم لم يكن من عمل صناعه و لكنهم ساهموا فى إظهاره بشكل لم يسبقهم إليه أحد ، و هو"بيت المولوية" ذلك المنزل الذى له قصة كبيرة سنعرض لها فيما بعد والذى تم الإنتهاء من ترميمه منذ فترة و به صالة رقص للمولوية ، أما الملابس الأصلية لرقصة المولوية فهى مثل الفيلم لها رمزية لكل شئ ، فالرداء الأبيض يرمز للكفن و الطاقية البنى العالية ترمز لشاهد القبر ، ليكون الراقص فى رقصه فى محاولة للسمو بالروح الباقية فوق الجسد الفانى لمحاولة الوصول إلى أعلى المراتب  .
أصدقائى لعلنا قمنا معاً بإلقاء الضوء على فيلم قلما يتم صنع مثله الأن بتلك الروح الفنية العالية ، و بالرؤى الفلسفية المتميزة فيه ، تحياتى و نلتقى معاً قريباً فى فيلم أخر .
تحياتى لكم أصدقائى و إلى لقاء قادم . . .

محمد أحمد خضر

+2 0122 3128543